لا أراني !

نشرت من قبل الكاتب العماني في

الاستاذة نوال الزيدان – قاصّة سعودية

لا يوجد أحد ، لا يوجد أحد .

هذه الصرخة التي علقت في فمها كلعنة ولم تبارحه .

ظلت تدور في حلقة لا تنتهي من النحيب ، كان جل أمنياتها أن ترى نفسها لكنها تعجز ؛ فكلما وقفت قبالة المرآة لا تجد شيئاً .

حاولت أن تستعيد عينيها لون شعرها ، أو حتى أنفها الذي تذكرت صدفة أنها كانت تكره شكله .

وتعود في كل غارة تشنها على ذاكرتها المعطوبة خالية الوفاض .

حملها ذلك بأيدٍ باردة إلى الجنون ، فقدت توازيها مع خطوط الحياة فاقتطعت عقلها .

وقفت شاخصة ، تنظر فيما حولها علها تُرى ، فيرتل الوجع بها كتابه المقدس محجوراً بين كلمتين ( لا أحد )

الأشياء تسقط منها في ثقب كبير لا يعيد ما يأخذ . بدأت تتعاطى ببلادة مع حالها ، لم تأبه كثيراً بعد أفول شمس عقلها .

غدت الجدران وهذه الغرفة البائسة والباب الباهت لونه متناهية التشابه حداً لم يعد يجدي معه مقت ولا اشمئزاز . فتماهت معه

وصارت منه و به .

ما تبقى لها سوى صوت خطواتها يشعرها أنها على قيد الحياة ، فالموتى لا يحدثون جلبة ؛ إنهم هادئون حيث يسيرون .

سألت نفسها :

– ماذا لو كان الموتى يرقصون ؟ ترى كيف يكون صوت أقدامهم ؟ تراني معهم ولكني لا أراهم كما لا أراني !

حركت ساقيها وأصخت سمعها لوقع النغم على الأرض ، وسارت برتابة كأنفاس نائم .

لكنها عادت وحركتهما كثيراً على غير هدى لاتجاه .

فجأة ، علق في سمعها صوت آخر ، إنها ضحكة برية بريئة ، شنفت أذنيها وبدأت تعب من انسكاب هذه الضحكة العذبة

ورأت طفلة !

عيناها صافيتان ككوثر وفي فمها موسم توت شهي وبسمة .

لم تدرك في خضم بهائها أنها صارت ترى ، عينا الطفلة معلقتان فيما تظنه الفراغ الذي يحبسها . لكنهما كانتا تبدوان أكثر من ذلك ،

إنهما تنظران إليها وكأنها هنا ، فلم تستطع حجب شعور يشبه الدهشة

سألت

– أراكِ ؟

وبرقة سماوية وهبتها جواباً كقدر جميل يهطل ممطراً

– وأنا كذلك .

أرادت أن تبكي لأنها تحسست ذاتها ، شيء ما مر بها كطوفان أشعرها بحقيقة نجاتها .

توقفت عن الدوران في الفراغ محاولة تصحيح اعوجاج وباحت بأمنيتها راجية تحقيقاً .

– أنا لا أراني ، أرجوك قولي لي كيف أبدو ؟

– جميلة و …

جلست القرفصاء تبحث عن جملة تلي هذا الواو المخيف كمقصلة إعدام . وأطلقت هاء ممدودة تستحثها على الإكمال

– لكن قلبك مغطى بالران، إنه متسخ ، والأدران عالقة بلبك .

ومن بين الغصات استلت سؤالها

– كيف أنجو ؟

– في حقيبتي رداء أبيض وسحابة حبلى بالماء، هدية الرب إلى كل المعدمين في الأرض .

– أيسعني ؟

– يسع قلبك المؤمن .

طفقت تخصف منه وتغطي بؤسها المكشوف ، وتعصر السحاب ليطهرها فأشرقت .

بدأ الران ينجلي تحت ضوء شمسها . وتساقطت من جسدها جثث نافقة فتعرفتها واحدة واحدة .

– إنها خيباتي ، لم يغب منها أحد .!

– هاك مرآة ، لعلك أبصرت الآن .

رأت نفسها ، فضج قلبها بالفرح وتفجرت

– أنا هنا .. أنا هنا ..

– كوني على حذر ؛ هم يختفون في كل مكان لا تدركه بصيرتك النقية . لكنهم يقتاتون على قلبك المخضب بالنقاء .

لأنهم يرتدون الشيطان الذي لا ترينه وأنت محمولة على أكف الله والنور الذي ثقب عينيك فصرت تمشين بالهدى دون أن تحملي مشقة السؤال .:

يا ألله .. لم لا أراهم . وأراك ..؟

تغنت بذاتها طرباً وأخذتها النشوة نحو أفق ،

استدارت لتشكر تلك الطفلة التي زملتها بالأبيض ولم تر سوى ذيل اللام والذي كان يعرج به سريعاً نحو السماء ألف وميم .


0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *